Sunday, January 10, 2010

مافيا المعابِر




 
 
 
نتحدّث كثيراً ونقرأ ونسمع ونُشاهِد الكثير عن ما حدث ويحدُث وبالتّأكيد سيستمرّ في الحدوث في غزّة. كلمة حِصار، ردّدناها وسمعناها مع ما يأتي من باقة صِفات "حصار ظالم" "حصار قاسي" "حصار لا إنساني"والباقي، لكنّ الكلمة أُفرِغت من مُحتواها، ككلمة "موت" تماماً، لا يعرِف طعمها سِوى من طحنتهُ حروفها.

تعرّف أخي عبر موقع جامعته الإلكترونيّ على شاب من غزّة حاصِل على منحة لدراسة الماجيستير في الأردن ضمن برنامج التّبادُل الثّقافي. الشّاب- كما الجميع- مسجون هُناك، حيُ لا طعام ولا دواء ولا عمل ولا مُتنفّس ولا حياة ولا حتّى تمديدات للصّرف الصّحي. كان المفروض أن يلتحِق بالجامعة في أولّ السّنة الدّراسية، لكنّ المعبر مُغلق، والمُفتاح عند السّلطات المصريّة، والسّلطات المصرية تأتمِر بأمر الرّئيس المصري، والرّئيس المصري عبدٌ مأمور. وزارة التّعليم العالي الأردنيّة وافقت على تأجيل الدراسة لمدّة فصل دراسي واحد -كنوع من الاستثناء- لطلاّب غزّة الذين لم يتمكّنوا من الالتحاق بالدّراسة. الشّاب كان لديه أصدقاء في رام الله تمكّنوا من استصدار تصريح عدم مُمانعة لدخوله الأراضي الأردنيّة (تماماً كأنّها تأشيرة دخول). عندما تعرّف عليه أخي كان يحاول الاتصال بالجامعة وبالسفارة الفلسطينيّة في عمّان لتنسيق وتسهيل أمر مغادرته غزّة، ولا مِن مُجيب. يبدو أنّ هُناك اعتقاد سائد غير مُصرّح بِه بأنّ غزّة كُلّها حماس، وعليه فإنّ أهلها يستحقّون العِقاب. سمعنا القصّة مِن أخي الذي تمكّن من خلال شخص نعرفهُ الحصول على ورقة تُثبت أنّ الشّاب تمّ قبوله في هذه الجامعة، أي من خلال "واسطة" لأنّ البيروقراطيّة العربيّة ومحدوديّة التّفكير لا ينفكّان يسبّبان المفاجأة المُفجعة للجميع، فأوّل ردّ فعل لاسمي من الجامعة كان أنّ الطّالب عليه أن يحضُر بنفسه كي يستلِم الورقة التي لا يُمكّن أبداً إعطاؤها لغيره، وهُو يحتاج الورقة لمغادرة غزّة، بدأت أشكّ أنّ الجامعة تؤمن باستِحضار الأرواح أو التّلبُّس.

طلبت والدتي مساعدة سيّدة كانت تعمل في مركز الدّراسات الفلسطينيّة في بيروت قديماً ونجت من تفجيره بأعجوبة. فهمنا من السّفارة -وأنا هُنا أشعر بالخجل صراحة لأنّ أمر هذا العذاب الذي يتكبّده أولائك السّجناء في غزّة كان خارج نطاق مداركي- أنّه يتعيّن عليها التّنسيب، التّنسيب هُنا يعني الاهتمام واستمرار التّذكير، للسفارة الفلسطينيّة في مصر، التي بدورها تبعث بقائمة الأسماء للسلطات المصرية لتواقف عليها، فتسمح لهؤلاء بالمرور عبر أراضيها إلى الدّول التي يقصدونها عندما يتمّ فتح المعبر. نعم، جميع ما نسمعه عن مرور الطّلاب والمرضى والحالات الإنسانيّة يقتصِر فقط على الأيّام القليلة التي لا تتجاوز ثلاثة أو أربعة من السّماح بفتح المعبر. وحتّى هذا لا يحدُث!

علمنا أنّ المعبر سيفتح، وكُنا نتابع مع السفارة الفلسطينيّة في عمّان بشكل شبه يومي، وفي كُلّ مرّة تتصّل الموظّفة المسؤولة مع السّفارة الفلسطينيّة في مصر وتتحدّث مع السّفير أمامنا فتذكّره وترجوه أن يهتمّ لأمر هذا الشّاب الذي سيفقِد منحته وستنتهي تأشيرة دخوله مع آخر يوم من فتح المعبر.

كان كُلّ شيء مُعدّ والجميع يؤكّد أنّ اسمه موجود. قبل موعد فتح المعبر بيوم تمّ الإعلان عن لائحة التّنسيقات المصريّة، بالمناسبة للتنسيقات المصرية نصيب الأسد من الدّفعات المسموح لها بالعبور، لا تُقارن حتّى مع دُفعات الإسعافات، اسمُ الشّاب ليس موجوداً ولن يُسمح لهُ بالخروج وسيفقد المنحة الدّراسيّة، والسّفارة الفلسطينيّة في مصر يقولون له "خلّيك للفتحة الجاي" ومسؤولو المعبر لا يجدون حرجاً في إخباره "وتروح عليك جامعتك! شو يعني!". قرأت رسالة بعث بها إلى السفارة في عمّان وانفطر لها قلبي. الأمر قد يبدو عادياً وغير ذي جدّية، لكنّها حياة ومُستقبل إنسان، إنسان توقّف عن العَيش، توقّف عن كُلّ شيء، ولا يفعل سوى الإنتظار لما قد لا يأتي أبداً.

قائمة التنسيقات المصريّة فيها الكثير الكثير من عائلات تخرُج بأكملها من غزّة و أُناس آخرون يخرجون للنّزهة وزيارة الأقارِب وكُلٌّ يتنصّل. السفارة تقول أنّ الدّاخلية الفلسطينيّة (الحمساويّة) تشطُب اسماء من هُم من غير الحسوبين عليها، والدّاخلية تقول أنّ اسمه لم يكُن أساساً في القائمة، وبين هذا وذاك معلومات شبه مؤكّدة بأنّ هُناك شبكة سماسرة مُقرّبة من فتح في رام الله- سأكون أكثر صراحة وأدع المُواربة- الشّبكة فتحاوية بامتياز تتقاضى نقوداً كي تُوصي للسلطات المصرية بالسماح بإخراج فلان لأنّه محسوب عليها وما في منّه خوف، أو علتان الذي يسبّح بحمدها ليل نهار. قُلت لو أنّ الأمر يُحلّ بالنّقود فلا توجد أيّة مُشكلة، لكنّهُ قدرُ المنسيّين. الكُلّ يكتِم المساعدة ولا أحد يرغب في دلّ أيّ أحد آخر على الطّريقة أو الوسيلة أو أوّل الخيط. الموقف يشبه إلى حدّ كبير مجموعة رُكّاب طائرة منكوبة على جزيرة نائية يكتشف أحدهم سلّة طعام فلا يخبر أحداً ويُبقيها لنفسه كنوع من الأنانيّة.


آخر الأخبار تقول أنّ المعبر قد يُفتح للطّلاب قريباً. حتّى حينه "سنُربّي الأمل".

1 comment:

Unknown said...

و الله لا اعتقد أنهم سيفتحونه
انما يقولون ذلك للتسكيت

حسبنا الله و نعم الوكيل
ليس لنا الا ان نأمل عل ما نتمنى يحدث يوما