Thursday, December 17, 2009

مِن القِصص التي تُثير فِيَّ رغبة لوضع رصاصة في رأسي

كأنّ أخبار المَوت التي تأتينا بالدّم الطّازج يوميّاً لا تَكفي. كَأنّ اجتِرار المُباركات والتّاييدات والتطلّعات المُنافِقة الذي يقوم بِه كتّاب الصحّف اليوميّة لا يَكفي. كَأنّ حصتّنا مِن العَناء اليوميّ والنضّالات على المستويات الداخلية والخارجيّة لا تَكفي!


القِصّة، أو الخاطِرة، أو "الشيء" منشور في جريدة الرّأي اليوميّة في صفحة الآراء وتحت باب "أوراق". والأحرى لو تُفرِد الرّأي باباً يُسمّى "أوهام امرأة" أو "مُحاولة لتجميل ما لا يقبل التّجميل" أو "أحلام أربعينيّة" أو "ما يحصُل عند عدم تناوُل الغِذاء الكافي في مرحلة النموّ". أيّ شيء لا يهُمّ.


لَيسَ أنكى مِن رجل كاذِب سِوى امرأة واهِمة.

القِصّة كالتّالي:



حين يبتسم القدر ... !



أقلقها ، حد الخوف ، الهمس الذي اندلع وارتفعت وتيرته ، منذ وصل المدير العام الجديد ، فهو كما يتهامسون اطلق شعار دماء جديدة ... ادوات التطوير واكد ان المؤسسة التي صار مديرها بحكم حجم مساهماته فيها ، تعاني ترهلا يمكن قراءته في تجاعيد كثيرة مرسومة على وجوه عديدة وانه عازم على بث روح الشباب للنهوض بالمؤسسة لانه لم يعتد غير النجاح ، وهذا لم تقدر علية الفئة العاملة الآن ، وغير هذا من اقوال ربما قال بعضها ، الا ان همس الاشاعات جعل منها قصة تزداد احداثها وتتراكم اقولها مع اشراقة كل دوام يوم جديد.

احست انها مقصودة تماما ، بكل هذا الهمس فالسنوات الثلاث والعشرون عمرها الوظيفي والتي اوصلتها الى الخامسة والاربعين من العمر ، جعلتها خارج فئة الدماء الجديدة وهي حتما لن تكون في زمرة الشباب الذين يحملون روح التطوير هكذا فهي دون ادنى شك اول قائمة الراحلين ، هذا هوالمأزق الذي لم تكن تتوقعه ، كانت تظن ان في العمر بقية تبقيها خلف مكتب الوظيفة ، فالتقاعد يعني ذهاب ثلث الراتب الذي بالكاد كان يكفي وهو كامل ، فكيف سيكون الحال بعد ؟ هي استقرت على حياة ، بعد رحيل الوالدين اسقطت منها اي طموح ، غير تمضية ما تبقى من العمر في ستيرة ، توالي السنون اغتال التطلع لزواج تستظل به ، والمكانه الوظيفية ضاعت فرصتها فقد كانت تحتاج لاكثر من المؤهل والكفاءة والخبرة تحتاج الى دعم لم تقدر يوما عليه ، اما التمتع بالحياة فله ثمن باهظ غير مقدور عليه .

نامت تلك الليلة على وسادة حوار قلق، لاحتمالات المستقبل القريب في اطار الوظيفة ، ثم درست ايضا توقعات المستقبل البعيد الممتد على بقايا هذا العمر ، فانتهت الى رسم صورة قاتمة بحثت في ماضي الايام عن مثيلتها فلم تجد ذلك ان سنوات العمر الاولى كانت مفعمه بالامال التي تساقطت واحدا تلو الاخر ، المستقبل يحمل اياما عصيبة ما كانت تخطر ابدا على البال ، يا الله ما اضيق فسحة حياة المرأة ! صباح تلك الليلة ، اربكها وهي تهم بدخول المؤسسة ، اكتشتف ان المدير العام خلفها تماما فتأخرت عن الدخول وقدمته قائلة :

- صباح الخير سعادة المدير . قالتها مصبوغة بحمرة طفت على وجهها سببها وجيب قلبها الذي هزته الرهبة والخوف .

رد عليها بصوت واثق : - لا ... تفضلي انت . وزين عبارته بابتسامة واضحه لم تكن تتخيلها .

وحين ترددت للحظات ، اهتبلها فرصة فامعن النظر اليها مما ضاعف حمرة وجهها الذي نكسته ودخلت وهو بجانبها الى ان ذهب كل في طريقه.

على امتداد ساعات الدوام اخذتها الهواجس في كل الاتجاهات حتى اذا ما عادت الى البيت كانت مسكونه تماما بهاجس ان ايامها في الوظيفة غدت معدودة فهذا الرجل الخمسيني الاعزب الذي تسيطر الجدية على كل ملامح وجهه يعني ما يقول . وبدأت عندها حالة الانتظار .

بعد اسبوع على لقاء الصدفة عند بوابة الدخول رن الهاتف على مكتبها فكان المدير يطلبها الى مكتبه ، أسقط بيدها اوشكت على الاغماء ، لقد حانت اللحظة المخيفة، هو استدعاها لينقل اليها الخبر المشؤوم بسقوطها الى بئر التقاعد ، نهضت على ساقين بالكاد يحملانها ، طرقت الباب ودلفت مرتجفه .

- تفضلي بالجلوس . قالها المدير دون ان يرفع عينيه عن اوراق امامه فادركت ان لطفه هذا انما كان كي يخفف عنها وقع الخبر الذي سينقله ، تهاوت على المقعد وانتظرت حكم الاعدام الوظيفي .

رفع المدير رأسه عن الاوراق امامه ، نظر اليها وقال : - منذ التقينا عند البوابة قبل اسبوع ، حتى الامس عرفت كل شيء عنك وبقي سؤال واحد ابحث عن جوابه وجوابه عندك : رفعت رأسها الذي بقي منكسا منذ جلست ونظرت اليه بصمت ، فاجأتها ابتسامة كانت واضحة على شفتيه وسألت : - ما السؤال ؟ - قال : هل تتزوجينني ؟!

................................


انتهَت القِصّة دون أن نعرِف ما القِيم الحياتيّة العَظيمة التي أتَتنا بِها، وما المبادئ التي تسعى إلى ترسيخها في سلوكاتِنا.

انتَهت ومنحتنا مشهداً خِتامياً جميلاً صُنِع على عَجَل ليحلّ تراكُمات سنوات طويلة مِن التّعقيدات والأَمل السّليب في لَحظة، في جُملة، في سؤال، سَبقتهُ نَظرة.



انتهت القِصّة، وحان وَقتُ الاستِيقاظ!

2 comments:

Rula A. said...

لك قصة تنتمي إللى عالم الخيال الجميل..
عالم يدفعنا إلى زيارته الواقع المر..

hypsiphobia said...

شُكراً رُلى

القصّة هذه منقولة، وأراها تنتمي إلى الخَيال البَحت والوَهم.
قد يكون الواقِع مُرّاً، لكنّهُ الأبقى.