Saturday, November 28, 2009

يتعيّن عليّ أن أتوقّف عن الحديث كَرجُل


أسرانا في صَعدة




لِسبب ما هُناك إصرار غير مُبرّر على وَصف اليَمن بالسّعيد، فأنا لم أرهُ يبتَسِم مُنذ سنوات طِوال، خصوصاً إذا ما استثنينا المسرحيّة الشّعبية التي أمتعت العالم العربي بأسرِه ودَغدَغت خَيال حُكّام الدّول العربيّة لعدّة أيّام حين خرجت المُظاهرات الشّعبية- مِن نافلة القَول أنّها عفويّة حتّى العَظم- تُطالِب وتُناشِد وتسوق جميع الأنبِياء والرُّسل على الرئيس علي عبد الله صالِح بِأن لا يتنازَل عن الرّئاسة ويستمرّ في ترشيح نفسِه حتّى يُفرّقه الموت عن الكُرسي. أقول مسرحيّة لأنّه مِن غير المُمكِن لأيّ نوع أو كَمّ مِن "التّخزين" أن يُبرّر هذا.

في الخليج العَربي هُناك دولة اسمها الرّسمي "السّعودية" أو "المملكة العربية السّعودية". وهذِه الدّولة العظيمة تهوى خوض الحروب وتملك جيشاً جرّاراً لا يُشقّ له غُبار قِوامه ميامين مقدامين لا يهابون المنايا. ولأنّ الرّياح تأتي بِما لا تشتهي السُّفن ولأسباب تتعلّق بجُغرافيّة المنطِقة تضطرّ أحياناً/ دائماً السّعودية إلى لجم الأعداء وبسط السّلطة على أراضِ خارِج حدودِها. للقارئ الكَريم أن يعود إلى محطّة حرب الخَليج الأولى ومروراً بأفغانِستان مُنذ السّوفييت ولُبنان مُنذ إرسال الحريري وحتّى صَعدة في اليَمن. وهِي للأمانة مُتاخمة للحدود السّعودية وفي مُتناوِل اليَد.

المُهمّ، في اليَمن هُناك مجموعة تُسمّى الحوثيون قرّروا أن يتمرّدوا على الدّولة اليمنية. هُم شيعة، زيديّون/ اثني عشريّون/ فقيهيّون، لا يهُم الحقيقة، المهمّ أنّهّم كما الكثير في لُبنان وسوريا ومِصر والسّودان قد فاض بهم الكَيل، ولأنّهم شيعيّون بإمكانِنا أيضاً أن نقول أنّهم ينفّذون مُخطّط أكبر ويخدِمون كأداة إيران لدقّ إسفين في أسفل العالم العَربي، بلا معنى أو قافية، أو إرساء زاوية المثلّث الشيعي الثالثة: إيران ولبنان واليمن، على أنّ المُثلّث الآن توسّع للغاية وأصبح ما يُشبه مظلّة عظيمة لتغطية المنطِقة.

الأمر أثار حفيظة المملكة، المُصدّر الأوّل للإرهاب في العالم، وانصرفت إلى تأليب ودعم القوّات اليمنيّة على هؤلاء. طبعاً في عالمِنا العربي مُصطلح "شأن داخِلي" يقتصِر على تبرير القمع ضدّ الشّعب أو سلب الحريّات أو الفوز بنسبة فلكيّة تقارِب 99.9% في الانتِخابات أو الردّ على التّقارير الخارجيّة عن التّعذيب المُنظّم في السّجون، أو صرف النّظر عن ثورة للجِياع، ولا يشمل بحال استِهداف أقليّة لا تأبه بِها دُول العالم المتقدّم وسيّدة العدالة الأمريكيّة.

أخيراً اضطرت السّعودية بقدّها وقديدها أن تتدخّل شخصياً وتُنزِل قوّاتها وجنودها-ياه من زمان نفسي قول هالكلمة، فيها جنود لأ وبيشتغلو كمان!- لأمر غير القمع الدّاخلي ضدّ السّلفيين أو الشّيعة أو النّساء. وصرنا نسمع عن طائرات حربيّة سعودية وغارات واشتباكات على المناطِق الحدوديّة، ونرى وزير الصّحة يزور المُصابين في جازان، ونائب وزير الدّفاع يحشر نفسُه في بدلة عسكريّة ويجول على القّوات في المناطِق نفسِها ليرفع معنويّاتهم ويبتسِم للكاميرات تأكيداً على أنّ كلّ شيء على ما يُرام وأنّ "التسلّل الغاشِم" تمّ صدّه وتساقط المتمرّدون كالّذباب. وبما أنّنا نملِك نزعة هولييوديّة فقد نراه أيضاً يُسمك منظاراً ويراقِب تقهقُر الأعداء وعلى وجهِه نظرة جديّة عميقة لا تأتي سِوى مِن خبرة طويلة.


أتساءل إن كان الحوثيّون قد توقّعوا تعاطفاً من الشّعوب العربيّة، وإن كان مئات النّساء والأطفال الذين قَضوا تخيّلوا مظاهرات تعاطُف أو احتِجاج وإشعال شموع أمام سفارات اليمن والسّعودية مَثلاً لحظة الغارة. الفِكرة من السّخافة بمكان بحيثُ أنّني سأغُضّ النّظر عَنها.

بلا طول سيرة، البارحة توالت الأنباء عن شريط فيديو يُظهر أسر 9 من القوّات السّعوديّة. الإعلام السّعودي ذَكر الشّريط وأتبعه بخبر فقدان التّسعة. السّعودية التي تُنفق 10% من إجمالي الناتج المحليّ على التسلّح، أي ثالث دولة عالمياً، أو 18 مليار دولار سنويّاً، ترتيبها الحادية عشرة، هذا دون أن نأخذ بعين الاعتبار صفقة اليمامة وما شابهها، لا تقوى على صدّ مجموعة من المتمرّدين الذين لا يملِكون طائرات ولا قيادة ولا تنظيماً. إن عُرف السّبب بطل العجب. مسؤول الدّفاع اليوم يقول أنّ المنطقة الحدوديّة وعِرة للغاية وجبليّة. سو ثاتس واي! ما أدرانا نحن!
0



No comments: