Monday, November 23, 2009

عن الخُطوط المُتوازِية

عن الخُطوط المُتوازِية
 
فاجأني بدخوله إلى مكتبي هذا الصّباح وتمَلمَل أمامي بعد صباح الخير وكيف حالُكِ وأسئلة اُخرى أعلم أنّه يُريد معرفة إجاباتِها، فنحنُ لم نتبادَل الحديث مُنذ سنتين أو أكثر. تحديداً مُنذ انتقل مكتبي إلى مكان أبعد، وانتقَل دَوامُه إلى فترة الحِراسة المسائية. عَرَض أن يُعدّ لي الشّاي، لكنّني رَفضت وتذرّعتُ بأنّني "ما جاي عبالي اليوم" لأنّني وبِكُلّ صراحة لا أُؤمّن أبداً. ما يُدريني مثلاً أنّهُ لن يقوم بلعق كوبي قبل تقديمه لي، أو يقوم بِلمّ حبّات السُّكر المتناثرة على المجلى الستانلِس ستيل وإسقاطِها في شايي الذي سأشربه.

تَملمَل ثانية وعلِمتُ أنّه يُريد الحديث. سألتُه عن حاله وعن أهلِه فعدّ أنّ مزاجي مفتوح على احتِمالات تبادُل الأخبار وفُسحات الشّكوى الخاطِفة اليوم وسحب الكرسيّ المُقابل لمكتبي وجِلس عليه.

كان قد عاد مِن مِصر حديثاُ بعد زيارة قاربت الشّهر لم يُنجِز فيها ما أعدّ العدّة لإنجازه. غَير أنّه ظفِر بإنجازات أُخرى ستكون أيضاً محوريّة في حياتِه.

وصلتني الأخبار المُتناقلة التي تُفيد بأنّه لم يتمكّن من الزّواج بفتاتِه الرّابِعة، ذلِك أنّه وحال وصوله إلى الصّعيد وجد جواب استدعاء لدفعتِه في الجيش. عشرون يوماً لجنود الاحتِياط كتدريب دوري لم تُبقِ لهُ من الإجازة سِوى ما يقارب العشرة أيّام أفلح فيها في ترك زوجته الأولى حاملاً بطفل آخر وتعرّف على ابنه الأوّل الذي يبلُغ سبعة اشهر.

أعرفه منذ ما يقارِب السّبع سنوات. استلمناه مع المبنى الجديد عند انتقالِنا إليه كما استلمنا بقيّة الأثاث. أعرِف جيّداً ضعفهُ أمام النّساء وأعرِف كيف كانت تشطّ ريالتُه لبضعة كلمات ومجاملات من موظّفة لم تصمد عندنا سوى أشهر قليلة. أعرِف كيف كان ينتظِر بِفارغ الصّبر تخرّج أخيه الدّكتور من الجامعة الذي قام بخطبة قريبته من القاهرة قبل أن يتخرّج حتّى. كان عمره يمرّ أمامه ولم يقوَ على أن يستوقفه للحظه.

أخيراً تخرّج الأخ وتزوّج وانتهى بِناءُ البيت، وأصبح كُلّ شيء جاهزاً للعروس.

الأولى توفّيت في حادِث سير تعرّضت له مع عائلتها أثناء شراء لوازِم العُرس. كانت الوحيدة التي توفّيت.

الثّانية انتظرها إلى أن أنهت الثّانوية العامّة واعتنى بدروسها الخصوصيّة ودفع تكاليفها وتكاليف المعهد الذي التحقت به فيما بعد. لكنّهما "لم يتّفقا". كانت وأهلها كثيري الطّلبات، دائماً "ابعت ابعت، ولا يوم مش عاوزين حاجه". تمّ الطّلاق.

الثّالثة رآها مرّة واحدة، كُتب الكِتاب وتزّوجها خِلال عشرة أيّام. فتاة جامعيّة عُينّت حديثاً معلمّة. صحيح أنّه يحمل فقط دبلوم صنايِع ولم يدخُل جامعة في حياتِه، إلا أنّه على قدر لا بأس به من الثّقافة أكادُ أُراهِن أنّها تزيد عن ثقافتِها.

أتى بِها لى عمّان. ظنّ أنّهُ ملك الحلّ السّحري لكلّ مشاكله وكان يتصّل بها ليطمئنّ عليها كلّ نصف ساعة.

ثمّ بدأت الكَركَبة. كان قد خطب فتاة تقربه في العمر عدّة مرّات لكنّها وأهلها رفضوه. الفتاة انتقلت لتعمل في الإمارات ويبدو أنّها أشارت له مِن طرفٍ خفيّ أن اقترِب. حصل على رقم هاتِفها وبدأ الغرام عبر الأسلاك يتدفّق مباشرة إلى قلبِه ويتمكّن من عقلِه. أعاد زوجته لتسكُن في الصّعيد قُرب أهلِه. وأخطرها منذ الشّهرين بأنّه سيتزوّج من أُخرى. المرأة/ العروس جُنّ جنونها وكانت قد ولدت حديثاً طفلها الأولّ. بَكَت ورجتهُ طويلاً أن لا يفعَل. حاولت-كما كُلّ النّساء- أن تعرِف ما العيبُ فيها وما الذي ينقُصها. رجتهُ أن يُخبرها ووعدتهُ أن تتغيّر وأن تُكرّس حياتها لخدمته كما يُريد. لم ينفع شيء. لم تكُن تعرِف أنّ تصميمه وقراره غير متعلّق بِها.

طلبت الطّلاق. رَفض! أخبرها أنّ بإمكانِها أن تأخذ الطّفل وتعود إلى بيت أهلِها إن أرادت لكنّه لن يُطلّقها أبداً، لأنّه يملِك من النّخوة ما يمنعه مِن أن يسمح لزوجته السابقة من الزّواج من آخر بعده.

بدا مُشفِقاً عليها اليوم. قال لي أنّ زواجه منها كان خطأ عظيم وأنّهما خطّان متوازيان لن يَلتقِيا أبداً. أخبرني أنّها في هذه النّاحية ذكيّة. تعلم نّه لا يحبّها. تخبرهُ مِراراً أنّها تعلم ذلِك. قُلتُ له لماذا لا تقول لَك أنّك تحبّها وستبقى وأنّك قادر على هذا حتّى مع وجود الأخرى. دعها فقط تشعر أنّها تعني شيئاً لك، هذه المرأة التي حملت طفليك.

قال أنا لا أستطيع أن أُنافِق صراحة.

صرختُ في وجهِه. ما الذي تفعلهُ إذن هُنا طوال النّهار!!


سيعود في نيسان ليتزوّج مِن فتاته تِلك كما اتّفقَ معها.


No comments: